فخر الدين الرازي

29

شرح عيون الحكمة

ولقائل أن يقول : لم لا يجوز أن يقال : الفاعل المختار خصصه بحيز معين بمجرد القصد والإرادة . وحينئذ يرجع الكلام في هذه المسألة ، إلى أنه هل يصح القول بوجود الفاعل المختار أم لا ؟ ثم نقول : هذه الهيولى وان فرضناها خالية عن الصورة الجسمية ، فلعلها كانت موصوفة بأحوال أخرى وأعراض أخرى ، وكانت الحالة توجب حصول هذه الهيولى في الحيز المعين ، بشرط اتصافها بالجسمية . فإذا حدثت الجسمية صارت تلك الحالة موجبة لحصول ذلك الجسم في ذلك الحيز المعين . وليس في هذا الكلام شئ أزيد من أن يقال : الموجب لذلك الاختصاص : كان حاصلا قبل حدوث صورة الحجمية ، الا أن تأثيرها في ذلك المعلول كان موقوفا على شرط . ألا ترى أن الطبيعة توجب الحركة بشرط أن يكون الجسم حاصلا في المكان القريب ، وتوجب السكون بشرط أن يكون الجسم حاصلا في المكان الطبيعي . فكذا هنا . * * * قال الشيخ : « وأما إذا كانت ماء ثم استحالت هواء ، تعين لها ذلك الموضع . لأنها إذا كانت ما كانت هناك ، وانما ليست الصورة الهوائية أو النارية . وهي ذات موضع » التفسير : هنا سؤال يذكر على ذلك الدليل . وهو أن يقال : هب أن لكل كلية عنصرية « 6 » مكانا طبيعيا . الا أن الجزء المعين من كل عنصر ، ليس له مكان طبيعي ، بل نسبته إلى جميع أجزاء حيز الكل بالسوية . ثم مع هذا فقد حصل في موضع معين . وإذا عقل هذا . فلم لا يعقل أن يقال : ان هيولى الجسمية تكون نسبتها إلى جميع الأحياز على السوية . ثم مع ذلك تختص بحيز معين ؟ وأجاب عنه : بأن كل صورة مسبوقة بصورة أخرى ، والمادة حين كانت موصوفة بالصورة السابقة كانت مختصة بحيز معين ، ولا يبعد أن تكون تلك الأحوال السابقة أسبابا لبعض الحيز بعد حدوث هذه الصورة الحادثة ، بخلاف ما إذا حدثت الصورة الجسمية ابتداء ، فإنه لم توجد قبل حدوثها حالة تقتضى تعين هذا الموضع . فظهر الفرق .

--> ( 6 ) عنصر : ص .